القرطبي
141
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
العاشرة - قوله تعالى : ( بعضكم من بعض ) ابتداء وخبر ، كقولك زيد في الدار . والمعنى أنتم بنو آدم . وقيل : أنتم مؤمنون . وقيل : في الكلام تقديم وتأخير ، المعنى : ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فلينكح بعضكم من بعض : هذا فتاة هذا ، وهذا فتاة هذا . فبعضكم على هذا التقدير مرفوع بفعله وهو فلينكح . والمقصود بهذا الكلام توطئة نفوس العرب التي كانت تستهجن ولد الأمة وتعيره وتسميه الهجين ( 1 ) ، فلما جاء الشرع بجواز نكاحها علموا أن ذلك التهجين لا معنى له ، وإنما انحطت الأمة فلم يجز للحر التزوج بها إلا عند الضرورة ، لأنه تسبب إلى إرقاق الولد ، وأن الأمة لا تفرغ للزوج على الدوام ، لأنها مشغولة بخدمة المولى . الحادية عشرة - قوله تعالى : ( فانكحوهن باذن أهلهن ) أي بولاية أربابهن المالكين وإذنهم . وكذلك العبد لا ينكح إلا بإذن سيده ، لان العبد مملوك لا أمر له ، وبدنه كله مستغرق ، لكن الفرق بينهما أن العبد إذا تزوج بغير إذن سيده فإن أجاز السيد جاز ، هذا مذهب مالك وأصحاب الرأي ، وهو قول الحسن البصري وعطاء بن أبن رباح وسعيد ابن المسيب وشريح والشعبي . والأمة إذا تزوجت بغير إذن أهلها فسخ ولم يجز بإجازة السيد ، لان نقصان الأنوثة في الأمة يمنع من انعقاد النكاح البتة وقالت طائفة : إذا نكح العبد بغير إذن سيده فسخ نكاحه ، هذا قول الشافعي والأوزاعي وداود بن علي ، قالوا : لا تجوز إجازة المولى إن لم يحضره ، لأن العقد الفاسد لا تصح إجازته ، فإن أراد النكاح استقبله على سنته . وقد أجمع علماء المسلمين على أنه لا يجوز نكاح العبد بغير إذن سيده . وقد كان ابن عمر يعد العبد بذلك زانيا ويحده ، وهو قول أبي ثور . وذكر عبد الرزاق عن عبد الله ( 2 ) بن عمر عن نافع عن ابن عمر ، وعن معمر عن أيوب عن نافع عن ابن عمر أنه أخذ عبد اله نكح بغير إذنه فضربه الحد وفرق بينهما وأبطل صداقها . قال : وأخبرنا ابن جريج عن موسى بن عقبة أنه أخبره عن نافع عن ابن عمر أنه كان يرى نكاح العبد بغير إذن وليه زنى ، ويرى عليه الحد ،
--> ( 1 ) الهجين : الذي أبوه عربي وأمه غير محصنة ، المبرد : ولد العربي ، من غير العربية . ( 2 ) هو : ابن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب .